أيتام الحرب الباردة: كيف مولت الـ سي اي ايه مشروع الجنون السري في الدنمارك؟

optimized image 1770939919575
أيتام الحرب الباردة: كيف مولت الـ CIA “مشروع الجنون” السري في الدنمارك؟

هندسة النفس البشرية في الظل: قراءة تحليلية في “مشروع الفصام” الدنماركي وتمويلاته الاستخباراتية

لطالما كان الجدل الفلسفي والعلمي حول “الطبيعة مقابل التنشئة” (Nature vs. Nurture) هو المحرك الأساسي لعلم النفس السلوكي في القرن العشرين.

ولكن، خلف هذا الفضول العلمي الذي يبدو مشروعاً، كانت تقبع مناطق رمادية قاتمة حيث تقاطعت طموحات الطب النفسي الجامحة مع هواجس الأمن القومي خلال حقبة الحرب الباردة.

تكشف الوثائق التي تم العثور عليها مؤخراً في كوبنهاجن، وتحديداً في القبو المهمل لأرشيفات “مركز غلوستروب للطب النفسي”، عن واحد من أكثر الفصول غموضاً وانتهاكاً للأخلاقيات في تاريخ التجارب البشرية: ما عُرف باسم “مشروع الفصام عالي المخاطر” (The Schizophrenia High-Risk Project).

الجذور: البحث عن “العلامات البيولوجية” للانحراف

تعود جذور هذه القضية الشائكة إلى عام 1962، حينما التقى الطبيب النفسي الدنماركي البارز فيني شولزنجر (Fini Schulsinger) بعالم النفس الأمريكي زارنوف ميدنيك (Sarnoff Mednick).

كانت الفرضية العلمية التي جمعتهما ثورية وخطيرة في آن واحد: هل يمكن تحديد العلامات البيولوجية للفصام والسلوك الإجرامي قبل ظهور الأعراض السريرية بسنوات؟

لاختبار هذه الفرضية، لم يلجأ الباحثان إلى النماذج الحيوانية، بل إلى البشر.

تم تحديد عينة بحثية قوامها 311 طفلاً دنماركياً تتراوح أعمارهم بين 9 و14 عاماً.

الميزة “اللوجستية” المأساوية لهؤلاء الأطفال أنهم كانوا أيتاماً أو أبناء لأمهات يعانين من الفصام، مما جعلهم “فئات مستضعفة” يسهل إخضاعها للتجارب دون مقاومة قانونية تذكر من ذويهم أو الأوصياء عليهم.

المنهجية: انتهاك صارخ لـ “كود نورمبرج”

تُظهر الوثائق المسربة (التي كشف عنها صانع الأفلام والضحية السابق بير وينيك) أن المنهجية المتبعة كانت تنطوي على عنف نفسي وجسدي ممنهج ومقنع بغطاء طبي.

  • الاختبارات الفسيولوجية القسرية: تم تعريض الأطفال لمحفزات حسية قوية ومرعبة (أصوات صاخبة مفاجئة، صراخ، توبيخ لفظي مسجل) أثناء توصيلهم بأقطاب كهربائية لقياس التوصيل الجلدي (Skin Conductance) ومعدل ضربات القلب.
  • الهدف العلمي: كان العلماء يبحثون عما يسمى “التعافي اللاإرادي البطيء“-النظرية السائدة حينها كانت تشير إلى أن الأشخاص الذين لديهم جهاز عصبي لا يهدأ بسرعة بعد التوتر هم أكثر عرضة لتطوير سلوكيات إجرامية أو أمراض عقلية معقدة.
  • غياب الموافقة المستنيرة: الأخطر في هذه الوثائق هو إثباتها القاطع لغياب “الموافقة المستنيرة” (Informed Consent)- الأطفال وأوصياؤهم القانونيون تم إيهامهم بشكل ممنهج بأن ما يحدث هو فحوصات طبية روتينية لصالح الطفل، وهو ما يعد انتهاكاً صريحاً لـ “كود نورمبرج” الذي وُضع بعد الحرب العالمية الثانية لحماية البشر من التجارب القسرية.

التمويل: اليد الخفية للاستخبارات الأمريكية (CIA)

لعل الجانب الأكثر إثارة للجدل، والذي تم تأكيده عبر تقاطع الوثائق الدنماركية مع أرشيفات الأمن القومي الأمريكي التي رُفعت عنها السرية، هو مصدر التمويل.

في الظاهر، تلقى المشروع دعماً من الخدمات الصحية العامة- ولكن الوثائق المالية كشفت أن القنوات الخلفية للأموال كانت تمر عبر كيان يُدعى “صندوق البيئة البشرية” (Human Ecology Fund – HEF).

هذا الصندوق، كما بات معروفاً الآن للمؤرخين والباحثين في شؤون الاستخبارات، كان واجهة تمويلية تابعة لبرنامج QKHILLTOP، وهو سلف لبرنامج MKUltra الشهير التابع لوكالة الاستخبارات المركزية (CIA).

الدافع الاستخباراتي لم يكن طبياً بحتاً؛ بل كان البحث عن تقنيات “فرز بشري”- كانت المخابرات تسعى لتطوير اختبار فسيولوجي يمكنه كشف القابلية للخيانة، الصمود تحت الضغط، أو الانهيار النفسي، ليكون ذلك سلاحاً استراتيجياً في تجنيد العملاء أو استجواب الأسرى.

محاولات الطمس والمسار القضائي الحديث

تشير المراسلات الداخلية التي تم العثور عليها إلى أن الباحثين كانوا يخططون لإتلاف الأوراق أو إخفائها بعناية لتجنب الملاحقة القانونية مع تطور قوانين الخصوصية وحماية البيانات في أوروبا (GDPR لاحقاً). ولكن، وبمحض الصدفة، نجت هذه الملفات من الفرم.

في عامي 2023 و2024، لم تعد هذه القضية مجرد مادة للأرشيف، بل تحولت إلى معركة قانونية حامية الوطيس.

رفعت مجموعة من الضحايا (17 شخصاً حتى الآن) دعوى قضائية جماعية ضد الدولة الدنماركية وبلدية كوبنهاجن، مطالبين بتعويضات واعتذار رسمي عن انتهاك المادة 3 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

 

كواليس وتطورات حصرية

آخر المستجدات (2023-2024): ثورة الضحايا في المحاكم

  • الدعوى التاريخية: في تطور درامي، قام 17 من الضحايا الناجين، بقيادة “بير وينيك”، برفع دعوى قضائية رسمية ضد الدولة الدنماركية أمام محكمة مقاطعة كوبنهاجن.
  • المطالب: يطالب الضحايا بتعويض قدره 175,000 كرونة دنماركية (حوالي 25,000 دولار) لكل فرد- المبلغ رمزي مقارنة بالأضرار، لكن الهدف الأساسي هو “الاعتراف الأخلاقي” بالانتهاك.
  • الموقف الحكومي: تواجه الحكومة الدنماركية مأزقاً قانونياً وإعلامياً- فبينما اعترفت بعض الجهات الطبية بفظاعة التجارب، تدفع الدولة أحياناً بحجة “التقادم” الزمني للأحداث، وهو ما يرفضه المحامون استناداً إلى أن الانتهاكات تمس حقوقاً أساسية لا تسقط بالتقادم وفق القانون الدولي.
  • الفيلم الوثائقي: تسبب عرض الفيلم الوثائقي “The Search for Myself” في إحداث ضجة رأي عام أجبرت المسؤولين على فتح تحقيقات داخلية في أرشيفات المستشفيات للتأكد من عدم وجود “أقبية سرية” أخرى.

WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE